RSS

في غياهب العدم.. هنا هُنّ : أنا القانون

24 Jul

في غياهب العدَم.. هنا هُنَّ

! أنا القانون

رسم : لونا وطفه 21/2/2014 سجن عدرا

رسم : لونا وطفه
21/2/2014
سجن عدرا

بقلم : لونا وطفه

في شعاب المعتقل، تخوض الخطواتُ المغلولة بزرود الحديد في وحل ليس لكثافته مثيل، تسعى في دروب شاقة ومؤلمة لتقبض على بصيص النور التائه. عقارب الساعة قطبي رحى تلسع تلك الخطوات وتحصد خسارات تتغذى بها من أرواحهم وأيامهم وأحلامهم. رجعُ الدقائق على جدران المعتقل ينبئك أن للوقت هناك معنيين لا ثالث لهما ..الخسارة والخذلان فقط.

لمن تجوب صرخاتهم عتمة النفق.. وتقذف أرواحَهم حممُ الخذلان

لصديقاتي اللواتي لا زلن يغزلن شمساً للحرية على نول الأمل 

للحق المصلوب على مشارف الغد، في غياهب العدم..هنا هُنَّ سلسلةٌ أكسر حلقاتها تباعاً من ذاكرة الوجع

أنا القانون.. قالها وابتسامة ساخرة تعلو وجهه, وثقة استمدها من سلطةٍ لامحدودة منحت له.

الساعة العاشرة والنصف صباحاً، يوم الأربعاء من الأسبوع، في التاسع والعشرين من الشهر الأول للعام ألفين وأربعة عشر، في هذا اليوم قاموا بإحكام كمينهم والقبض عليّ متلبسة مع مبلغ من المال كان يجب أن يصل إلى المحاصرين في الغوطة الشرقية.

لست هنا بصدد التحدث عن تجربة شخصية، بل أسعى لتسليط الضوء على حالة مستشريه لنزع الاعتراف. ابتزاز الأمومة في أقبح صورها، وكم من معتقلة تعرضت لهذا الخيار القاسي الذي عايشْتُه يومها، وكم هُددت كثيرات بأبنائهن أو إخوتهن أو أهلهن بما يمكن اعتباره حالة عامة فوق ما يتصوره عقل أو تقرّه أية شريعة .

كنت قد لازمت الصمت والهدوء منذ اللحظة الأولى، ما أخرج المحقق عن طوره مرات عدة لدى وصولنا للفرع الأمني وابتداء التحقيق ، بعد ساعة من المحاولة للحصول على اعتراف خاطبني قائلاً:  الآن؛ ضربتان من الكهرباء وتنطقين على الفور بكل شئ ؛ خذوها..

جرّني العنصر من كتفي معصوبة العينين، ونفسي تحدثني بما عاهدتها : كوني صلبة ولا تضعفي تحت التعذيب .طويل هو الطريق  باتجاه غرفة التعذيب ، وكثيرة تلك الخيالات التي تملؤه بصور التعذيب التي سبق وشاهدتها منذ بداية الثورة، ومع كل صورة تزداد قوتي وثقتي بعدم الاستكانة لهم.  “ارفعي قدمك لتصعدي” أمرني العنصر ، وبعد أن رفعت قدمي أدركت أن الدرب لم يصل بي إلى غرفة التعذيب، بل إلى سيارة  وأن وجهتهم هي منزلي. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية عشر ظهراً.

لم تستحوذني فكرة الخوف من أدلة سيجدونها بقدر ما استحوذتني فكرة ابني الموجود في المنزل الآن، في تلك الرحلة القاتمة كان كل ما أرجوه وسيلة للاتصال به ليهرب، أية وسيلة، أية معجزة قد تحدث الآن! لا أدري كيف لكني أتمنى، فسني عمره الأربعة عشر لن تردع من قاموا باعتقال من هم أصغر منه سناً. استطيع تقدير الوقت اللازم لبلوغ المنزل عادة لكن في هذا اليوم خلتُ أن تلك المسافة قد استطالت وكأنها الأبد، وأن الوقت في غاية اللزوجة.

قرعٌ للباب بطريقة “أمنية”، أحدٌ في الداخل يتردد في فتح الباب بعد أن يرى من المنظار أشخاصاً تثير هيأتهم الهلع، يأتي أمر المحقق في هذه اللحظة لي أن أخبريه أن يفتح الباب وإلا !! تفاصيل تنحفر في ذاكرتك بكل قبحها وألمها ولاتملك سوى أن تحياها وكأنها تحدث الآن.

بعد أن أخذوا كل ما وقع تحت أيديهم إن كان في سبيل النهب أو الإدانة، وإزاء صمتي المستمر أمام أفعالهم  قال لي المحقق ذاته: الآن ستتعاونين معنا لنمسك الباقين، وحين أنكرتُ وجود باقين أمر عناصره باقتياد ابني أمامي.

لم تبقي نظرات الرعب التي ارتسمت على وجه طفلي, ورجاؤه حين أخذوه أمامي مكبلاً: “ماما قوليلهم أنو أنا مادخلني”, ذرة من صلابة. أيُّ جسارة ستصمد أمام موقف كهذا؟ في تلك اللحظة ألقيت في وجهه كل ما تعلمته في كلية الحقوق عن الإجراءات القانونية المتبعة في اعتقال أي مشتبه به, من ضرورة وجود مذكرة إحضار وعدم جواز دخول منزله دون مذكرة تفتيش أو أخذ أي كان من منزله في سبيل الضغط عليه لينهار أمامهم, وعن لا قانونية ممارساتهم.. “أنا القانون” قالها وابتسامة ساخرة تعلو وجهه, وثقة استمدها من سلطة  لا محدودة منحت له.

“ماما أنا خايف لازم ماتشتغلي هالشغل يمكن يضرونا”

“ماتخاف ماما لما حدا بدو ينضر حيكون أنا, وأنا بتحمل النتيجة لحالي”

كان هذا حواراً تكرر كثيراً بيني وبين طفلي في الفترة التي سبقت اعتقالي،  وتأبى نظراته الخائفة التي تنشب أظفارها في ذاكرتي أن تمّحي لأشعر بوخز كلماته تلك وبمرارة عجزي عن الوفاء بعهدي له.

في اليومين الأوّلين من الاعتقال ، كان التهديد الدائم : تكلمي أو نأتي بطفلك لنعذبه أمامك، مما أرغمني على الاعتراف بما أعلم وما لا أعلم،وقد حاولت جاهدة أن تكون التهم على قدر كبير من الأهمية لتذهب فكرة توريط الآخرين من حساباتهم، وقد نجحت في ذلك نوعاً ما وذلك ما جعل المحقق يصارحني لاحقاً أنهم لم يأخذوا ابني ؛ وإنما أمروه بالاختباء في الحمام  لتكتمل المسرحية.

” بقيت حبيس الحمام ثلاث ساعات لا أجرؤ حتى على التنفس بصوت مرتفع خوفاً من أن يعودوا كما هددني العسكري الذي حبسني هناك في حال أتيت بأي حركة قد تشعرين بها “.. هكذا أخبرني طفلي بعد ثلاثة عشر شهراً من الاعتقال.

كثيراتُ هنّ اللاتي تعرضن لمواقف مشابهة، أخبرتني سعاد عن طفلها ذي الستة أعوام الذي ضُرب أمامها و قد وضعت السكين على رقبته لتكون النتيجة أن تعترف على زوجها وصديقتها في القضية ذاتها، لكنهم لم يكتفوا بذلك بل هاتفوا والدتها أيضاً التي يتجاوز عمرها الستين عاماً لتأتي وتستلم الطفل من السجن، وحين جاءت لتأخذه ألقوها معهم أيضاً وكانت جملة المحقق لها  “امرأة مثلك أنجبت ….. كهذه تستحق أن تكون هنا”، ولا تزال تلك السيدة وأمها في غياهب المعتقل منذ عامين، مع العلم أنها تعاني عدة أمراض مستعصية وقد شملها العفو الصادر في حزيران من العام الفائت.

سميرة، امرأة خمسينية مع ابنيها الشابين اعتقلت لأنها من محافظة درعا فقط، وحين لم يجد المحقق سبباً لإدانتها ، ضربها حتى فتح رأسها أمام ابنيها ، فسارع الإبن الأصغر للإدلاء باعترافات توقف المحقق بعدها عن ضرب والدته.  بقي جرحها نازفاً دون علاج بطبيعة الحال، حتى قمت وصديقتي بإيقاف النزف بقطعة قماش والقليل من المعقم الذي تكرم به علينا أحد العناصر.

” أنا القانون”، جملة ترتسم تفاصيلها ألماً في حياة معتقلاتٍ عانين ما عانينه ليستمد الجلاد نشوة سلطته من أنينهنّ. لم تبتدئ الجملة بما أوردته من تفاصيل، ولن تنتهي بها، شريعة اللاقانون ودستور المعتقل، سلسلةٌ تخط نصوصها جراح الجسد والروح معاً.

نُشرت هذه المقالة على موقع أبعاد الإعلام بتاريخ 22/6/2015 

Advertisements
 
1 Comment

Posted by on July 24, 2015 in Syrian Prisoners

 

Tags: , ,

One response to “في غياهب العدم.. هنا هُنّ : أنا القانون

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: