RSS

(1) ! في غياهب العَدم..هنا هُنَّ : الحرية ليست مطلبي

24 Jul

في غياهب العدم..هُنا هُنَّ

 !الحرية… ليست مطلبي

-1-

رسم : لونا وطفه 21/2/2014 سجن عدرا

رسم : لونا وطفه
21/2/2014
سجن عدرا

بقلم : لونا وطفه 

!ثمة سؤال تجتره المنابر الإعلامية على الدوام ، يطن في رأسي كطنين النحل : ما هي مطالبكم؟ 

من البداهة القول أن الحرية  تأتي على رأس المطالب التي ينشدها المعتقلون ، لكن في جحيم المعتقل حيث تكون نهباً لكل ما تفيض به ممارسات جلاديك ؛ في هذه المرحلة تحديداً تكون مطالبك أقل من الحرية لأنك تعلم يقيناً أنها بعيدة المنال، وأهم من الحرية في ظرفك الشرطي الذي تعيشه الآن.

مساحة كافية لترمي عليها جسدك المنهك طلباً لنوم مستحيل, بضع أقراص مسكنة علّها تخفف عنك آلام الضرب المبرح، طعام كافٍ وقابل للمضغ, شمس, هواء, ساعة… والكثير الكثير مما تختصره كلمة واحدة: أنت..  أنت قبل كل شيء!

آخر ما تفكر فيه هو الخروج من الفروع الأمنية لأسباب عدة أهمها أنك مدرك لطبيعة التحقيق في الفروع, وأن رحلتك معهم قد ابتدأت لتوها, وأنك منذ اللحظة قد غيّبت تماماً عن العالم الخارجي. ليس مهماً من تعرف ومن يعرفك, ولا مدى صلاتك وعلاقاتك الخارجية, ما يجب أن تقلق بشأنه الآن كمّ الأدلة التي بحوزتهم ضدك فهي ما يطيل أو يقصّر فترة التحقيق وأساليب الضغط خلالها.

ما الذي يجعلك تفكر بالأدلة؟ وكيف يتحول ضميرك لإدانة تخشاها؟

عايش السوريون مع بداية الثورة السورية القتل الاعتباطي في مظاهراتهم السلمية، والاعتقال التعسفي لمجرد  أن يكون لك حسابٌ على شبكات التواصل الاجتماعية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا؛ ما الذي يدفع أحدنا للاعتقاد  بأن ما يقوم به قد ينقلب عليه ليكون دليلاً يعرضه للاعتقال؟

تكمن الإجابة على هذا السؤال في القراءة الواقعية لتاريخ الحكم الأسدي في سوريا على مدى أربعين عاماً في حالات كثيرة وثقها التاريخ وسرديات المعتقلين ، أربعون عاماً كانت عنواناً للاستبداد والقمع وكان القانون الجائر سيفاً مسلطاً على رقبة كل من تجرّأ وانتقد النظام الحاكم همساً أو جهراً أو تطرق على الفساد الذي ينخر فيه. وحتى لا نغرق في هذا التاريخ الطويل، يكفي أن نسلط الضوء على سنوات الثورة الأربع لنرى كيف يمكن لأي نشاط مدني هدفه الإغاثة أو أي كلمة تكتب لتوضيح الحقيقة دون تزييف أن تتحول إلى دليل إدانة في القانون السوري.

منذ أن صدر المرسوم التشريعي القاضي بتشكيل محكمة الإرهاب تعددت تسميات التهم تحت غطاء مكافحة الإرهاب، فالإغاثة تحولت لتمويل إرهاب في مسماها القانوني، المظاهرات أعمال إرهابية، الآراء والتحليلات السياسية والفكرية عملٌ منظمٌ يسعى لقلب الحكم، شعارات المظاهرات النيل من هيبة الدولة وإضعاف الشعور القومي .. الكثير من التهم التي لا حصر لها. لكن ورغم تلك التهم بقيت محكمة الإرهاب عاجزة حتى وقت قريب عن تحديد مدة الاعتقال بشكل قانوني تجنباً لسخط منظمات القانون الدولي والمنظمات الإنسانية بشكل مفضوح على الأقل، فاكتفت بالتوقيف غير المحدد حتى أن بعض المعتقلين كانوا مجرد أرقاماً منسية، وبعضٌ آخر فقد رفاهية الرقم حتى بسبب ضياع ملفه في ديوان تلك المحكمة.

لم يكن ما مارسته خلال سني الثورة من عملٍ إغاثي أو إعلامي أو حقوقي يزيد أو ينقص عن أي سوري انقاد لضميره ورفض أن يستسلم للخوف ، حين رأيتُ المهجرين من منازلهم ملتحفين عري الشوارع، أطفالاً تموت جوعاً، رجالاً نال منهم القهر والذل حتى سكنت الدمعة أحداقهم، نسوة مارسن الحداد كالصلاة كل يوم، وآخرين شاركتُ في حملهم فوق الأكتاف نعوشاً كانوا في اليوم السابق يشاركوننا حمل نعوشٍ أخرى.

انطلق العمل الإغاثي منذ بداية الثورة شعاعاً متلكئاً حيناً خائفاً أحياناً أخرى، إذ اعتبر عناصر الأمن هؤلاء النازحين في أماكن اشتعال المظاهرات حاضنة شعبية للإرهاب تستحق أن تباد عن بكرة أبيها، ومن يساعد هؤلاء هو شريك في الجريمة يستحق الملاحقة الأمنية.

“ليسوا سوى أطفالاً أطعمتهم لأنهم كانوا يموتون جوعاً” قلتها بغضبٍ في وجه العنصر الأمني “جميل” الذي قام وأصدقائه باعتقالي و ووصفي بالإرهابية التي تستحق أشد العقوبات.

“أمثال هؤلاء الاطفال هم ذرية من قتلوا أخي!!” يجيبني بذات الغضب

وماذنبهم هم؟ أيستحقون الموت جوعاً وهم مجرد أطفال؟؟

نعم يستحقون لأنهم سيكبرون ويقتلوني وأهلي أيضاً، يستحقون الموت جميعهم!

ينظر إليّ من ورائه “سعيد” ،عنصر آخر مشيراً إلي أن ألتزم الصمت. يخرج جميل وقد أزعجه الحديث وهنا يبدأ سعيد بحديثه الهادئ:

” رغم أن جميل مسيحي وأنا علوي إلا أنني لا أرى فيما فعلتِه جريمة، أنا نفسي حين أمر على خيم اللاجئين في الحدائق بعد أن أنتهي من دوامي هنا أقوم بشراء الخبز لهم من راتبي المتواضع، الفرق بيني وبينك أنني معهم ومنهم.. لن يحاسبني أحد أو يرى فيما أفعله جريمة. بكل الأحوال أنتِ لم تؤذ أحداً.. ثقي تماماً أن الله لن يضرك”.

لم أكن بحاجة لكلام سعيد لأتأكد أنني لم أرتكب جريمة تستدعي القبض عليّ ، لكن ما قاله كان تأكيداً على شيء أكثر خطورة من حالة اعتقالي الفردية. إن الفعل ذاته حمّال أوجه،  فهو مباح في حال كنتَ محسوباً على جهة ما وبمقدورك القيام بما أنت متأكد من صحته دون خوف من المحاسبة، لكنه سبب كاف لإدانتك بالجرم إذا لم تكن كذلك.

تعلم حينما تبدأ نشاطك الإغاثي أو الإعلامي  أنك معرّض للاعتقال في أية لحظة، ولا يمكن مع ذلك أن تمر فكرة الاعتقال في خاطرك دون أن تخلق زوبعة من الرعب، خاصة بعد أن تسربت صور مئات المعتقلين ممن قضوا تحت التعذيب وحدث ذلك قبل اعتقالي بأسبوعين.

الجرأة أم الخوف؟ سؤال أقرب إلى المشي على حبل رفيع مشدود، فهل  تقوم بما يمليه عليك ضميرك وتنشر الحقيقة  رغم المخاطر، أم تصمت لتحتفظ بحيز الأمان خوفاً من اعتقال محتمل؟ هو سؤال لم يغب عن أيّ منا ، غير أن رؤية طفل يعاني الجوع أو معتقل استشهد تحت التعذيب أو لوعة أمّ فقدت وحيدها ، كافية لقلب الصورة وشخصنتها بحيث ترى أقرب الناس إليك في مكان هؤلاء فلا تملك سوى أن تكون إنساناً رغم خوفك .. أن تكون إنساناً يعني أن تتوجع لوجعهم وأن لا تصمت أمام مأساتهم.

ليس المعتقل ذلك المكان الذي صورته مرويات من تعرضوا للاعتقال في سنوات الثورة الأربع على كثرتهم، لأن الحديث عن تلك التجربة كان صعباً ومضنياً لمن خاضوا التجربة ،الأمر الذي جعل رؤيتها بشكل واضح  أشبه بالمستحيل. أنا في مكان أراه للمرة الأولى ، ولاتتعلق المسألة فقط بالمنفردة أو الطعام السيء أو الإهانات أو التعذيب، هناك تفاصيل كثيرة يعجز أحياناً المُعتقل عن تذكرها  لما تستدعيه من ألم ، وأحياناً يفضل نسيانها بكل بساطة.

“أعطني الهوية وإياك وافتعال فضيحة” ثم “تعالي معنا”.. بدأت رحلة اعتقالي بهاتين الجملتين . في الطريق إلى فرع الأربعين لم تكن “الطميشة” موجودة بعد، وإنما شال كنت قد وضعته على كتفي لفّوا به رأسي ، سياراتان كبيرتان فيهما ما لايقل عن عشرة عناصر وتجهيزات أمنية كافية لاعتقال وطن بأسره، وكأن معارضاً واحداً يحتاج لفرعٍ أمني كامل ليلقي القبض عليه، وكأن خوفهم من انسانيتنا يعادل خوفنا من همجيتهم.

حينما تم اقتيادي وإدخالي بإحدى السيارتين عنوة نظرت إلى جمهرة البشر الموجودين في هذا المكان وسط ساحة من ساحات دمشق، أملتُ في هذه اللحظة أن تصدق مقولة “الكثرة تغلب الشجاعة” وأن يتدخل كل هؤلاء لمنع اعتقال فتاة بتلك الطريقة، لكن وجوههم غيبها الصمت والوجوم ، تلك الوجوه التي تربت على الخوف سنيناً طويلة.

لا تملك حينها سوى أن تحافظ على تماسكك وصلابتك قدر الإمكان لأنك على علم مسبق باحتمال أن تقع بين ايديهم حين اخترت المشي على الحبل الرفيع المشدود . يثير تماسكك سخطهم الشديد ، فيسعون جاهدين للنيل منك بكل الأساليب الممكنة إلى أن يبلغوا نقطة ضعفك، والتي تختلف من شخص لآخر بطبيعة الحال، لكنهم حينما يبلغونها – وهذا ما يحدث غالباً – تنتهي الحياة كما كنت تعرفها لتبدأ حياة من نوع آخر، حياة شاقة الخطوات، موصودة الأفق ،مبهمة المصير.

نُشرت هذه المقالة على موقع أبعاد الإعلام بتاريخ 29/6/2015

Advertisements
 
2 Comments

Posted by on July 24, 2015 in Syrian Prisoners

 

Tags: , ,

2 responses to “(1) ! في غياهب العَدم..هنا هُنَّ : الحرية ليست مطلبي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: