RSS

(1) ! في غياهب العدَم..هنا هُنَّ : في الثقب الأسود

24 Jul

في غياهب العدَم..هُنا هُنّ

في الثقب الأسود

-1-

رسم : لونا وطفه 21/2/2014 سجن عدرا

رسم : لونا وطفه
21/2/2014
سجن عدرا

بقلم : لونا وطفه 

من قال أن لاختلاس النظر متعة؟

في أحايين كثيرة يكون التلصص ألماً لا تملك بدّاً من تذوقه؛ إرغامُ عينيك على النفاذ إلى الحقيقة في عالمٍ يبعد عنك أمتاراً معدودة لتقف مكتوف الأيدي حيال أهواله التي تراها من ثقب أسود صغير يكاد يبتلعك.

في المعتقل تكون الليالي سجلاً لأيامك هناك، تنقشها بأي وسيلة تتوافر لديك على الحائط ؛مشبك شعر نجا من المصادرة أثناء التفتيش، مسكة سحّاب، دبوس أو إبرة في حجاب إحداهن، تنقش بهذه الوسائل اسماً أو رقماً أو خطاً ممتداً كناية عن انتهاء هذا اليوم. تدرك تماماً معنى لزوجة الوقت حين تقع تحت رحمة أحاسيس متضاربة؛ سعادتك المكلومة بنهاية يومٍ مضى ولن يعود، حزنك لانتهاء الحفرِ فلا تعرف ماذا تفعل الآن، وخوفك من رصد كاميرات المراقبة لما تفعله ما يدفعك إلى الانتهاء بأسرع وقت ممكن.

تختلف نهارات المعتقل عن لياليها، فمعظم التحقيقات تبدأ في الساعة التاسعة صباحاً وقد تمتدّ طوال النهار والليل وتكون ذروة التحقيق عادة بين التاسعة صباحاً والسادسة مساءً، إن لم يرد اسمك بين المطلوبين للتحقيق فلا بدّ أن تمارس التلصص حينها.

يقوم المحققون بالتعذيب النفسي الممنهج  وبمتعة تفوق تلك المتعة التي يجنونها من التعذيب الجسدي، إذ تمارِسُ أصواتُ المعذَّبين في أقبية الفروع الأمنية، حين تصل أسماع بقية المعتقلين، تعذيباً نفسياً وجسدياً في آن واحد. بعض المعتقلات كنّ يصرخن أو يبكين معظم الوقت حتى وصل بعضهنّ إلى الانهيار بسبب تلك الأصوات خاصة إن كان من يسمعون صُراخه أباً أو أخاً أو زوجاً أو ابناً، وحين نطرق الباب لطلب المساعدة لمن انهارت يأتينا الجواب ركلاً عنيفاً على الباب وصراخاً يأمرنا بالصمت لأنهم منهمكون بالتحقيق، و لا تأتي المحاولات للتخفيف عن معتقلة تسمع صرخات ابنها تحت سياط التعذيب بنتيجة تُذكر.

لا تتيح جميع الفروع الأمنية – بأبوابها الموصدة بإحكام – إمكانية اختلاس النظر، فليس مهماً أن ترى من يتعرض للتعذيب بقدر سماع أنينه المخيف. كان فرع الخطيب مختلفاً بعض الشئ حيث  يقع مهجع النساء في نهاية رواق كان يستخدم لانتزاع الاعترافات بكل الوسائل التي لا تخطر على بال، يقابل ذاك الرواق باب مهجع المعتقلات،  طاقةٌ في أعلى ومنتصف الباب مغلقةٌ دائماً لا يتم فتحها إلا بحالات قليلة و في أسفل الباب الحديدي شفراتٌ مائلة تتيح للمعتقلة رؤية الرواق إن وجدت مساحة كافية لتنحني بجسدها ورأسها كي تتمكن من المشاهدة من خلال تلك الشفرات.

علمتُ قبيل اعتقالي بفترة وجيزة أن التعذيب في فرع الخطيب قد أصبح أخف وطأة بسبب استشهاد أحد طلبة السنة الرابعة في كلية الأدب العربي بين أيديهم، غير أن شهقات الموت التي سمعتها من شاب كان مشبوحاً في مكان ما في ذلك الفرع تنفي ذلك الكلام بالمطلق.

إدخال للعصي الثخينة في شرج المعتقلين، ضربٌ كيفما اتفق يعكس حقد الجلاد وغلّه وشدة خصائه النفسي، إدخال رأس المعتقل في الماء كي يصحو بعد الإغماء من قسوة التعذيب لمتابعة التعذيب مجدداً، قهقهة باقي العناصر والجلادين التي تختلط بأنين الفريسة، تعمُّد إصابة الأعضاء التناسلية بأكبر قدر من الضرر، إبقاء المعتقل بسرواله الداخلي فقط طوال فترة التحقيق، والكثير الكثير من أفانين التعذيب المختلفة التي يتقنها الجلادون بحكم الخبرة والرغبة، تحقق هدفاً واحداً بالنتيجة؛ خصاء الرجولة.  

قبيل اعتقالي في العام 2013، أخبرني مسؤول يعمل في واحدة من المنظمات الانسانية عما شاهده خلال عمليات الإنقاذ في إحدى المحافظات السورية: ” أثناء بحثنا عن ناجين في تلك المنطقة دخلنا أحد المستودعات لنجد ثلاثين شاباً عراة مقيدين سوياً، تراوحت أعمارهم  بين الثامنة عشر والخامسة والعشرون، بدت عليهم علامات الانهيار بوضوح، إلا أننا لم نجد أثراً للضرب أو التعذيب. أخبرونا لاحقاً أنهم قد أُجبروا على اغتصاب بعضهم بعضاً أمام عناصر الجيش النظامي الذين أجبروهم على فعل ذلك بالقوة”. لم يستطع ذلك المسؤول نشر تلك الحادثة خوفاً على نفسه و العاملين في تلك المنظمة من الاعتقال.

رغم ما يلاقيه الجلادون أثناء التعذيب من إرهاق جسدي، بيد أني لم أرَ ملامح الغضب باديةٌ على وجوههم، بل على العكس تماماً؛ كانوا يستمدون النشوة من صرخات المعذّبين تحت أيديهم وتدفعهم صرخات البعض إلى الضحك بجنون. أعياهم مرّة صمود أحد المعتقلين حين تلقّى تعذيبهم وشراستهم بصمت فلم يصرخ أو يتأوّه وقد تناوبوا جميعهم على التنكيل به. مراقبته من زاويتي التي أتلصص منها لساعات وهو تحت التعذيب بدت كأنها الأبد، وللمرة الأولى تمنيت في قرارة نفسي أن يصرخ ذلك الشاب ليكفوا عن تعذيبه. سقوطه مغشياً عليه دون أن ينبس ببنت شفة بعد حفلة التعذيب هذه أفقدهم صوابهم وأثار غضبهم الهستيري لأنه حرمهم متعة مبتغاهم من تلك الممارسات الوحشية.   

لم يكن تعذيب النساء أمام ذويهنّ من الرجال و تعذيب الرجال على مرأى ومسمع نسائهم، ولا الإمعان في إيقاع الأذى الجنسي على الرجال والنساء بشتى الوسائل بغرض انتزاع اعتراف ما مطلقاً، بل هو عمل ممنهج ، واضحُ ومعلن ، لا يردعه رادع أو خوف من عقوبة، يُشبع نشوة الجلاد وسادته في اغتصاب الأنوثة وخصاء الرجولة لشعب بأكمله أرادَ يوماً .. الحياة.

نُشرت هذه المقالة على موقع أبعاد الإعلام بتاريخ 21/7/2015

Advertisements
 
Leave a comment

Posted by on July 24, 2015 in Syrian Prisoners

 

Tags: , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: