RSS

(2) ! في غياهب العدَم..هنا هُنّ : الحرية ليست مطلبي

24 Jul

في غياهب العدَم..هُنا هُنَّ

 ! الحرية ليست مطلبي 

-2-

رسم : لونا وطفه 21/2/2014 سجن عدرا

رسم : لونا وطفه
21/2/2014
سجن عدرا

بقلم : لونا وطفه

حين يسكنك هاجس أن تكون المنادى عليه كلما فُتح باب المهجع لتساق إلى التحقيق مُجدداً، يداهمك خليط مبهم من ردود الأفعال النفسية و الجسدية، و تشعر أن الخوف سيلٌ قادر على التسرب من ثقوب الأبواب الموصدة و أن شجاعتك  تذوي كلما نودي على اسمك أمام صورة الكرباج الأسود الثخين الذي يسكن أنيناً في جسدك.

تهديدك بإيذاء من تحب، إخوة كانوا أم أبناء، أما أم أباً.. ما تفعله لحظات عرضهم أمامك أو ضربهم أو إهانتهم، وما تعززه من إحساسك بالذنب لأنك “أنت السبب”. في هذه اللحظة القاصمة  تتمزق أمانيك بين أن تبتلعك الأرض أو تصرخ في وجوههم : خذوا مني ماشئتم، لكن دعوهم بسلام.

أسماء مشتبهين، أسماء تعرفها وأخرى يريدون معرفتها، حينها يختلف حجم الخوف وقدرته على التأثير، إذ ينهزم البعض تحت جبروته ويذعن له، بينما يجاهد البعض للتغلب عليه فيخرج بعلاماتٍ إضافية على جسده ليصبح تخفيف ألمها من أكثر مطالبه إلحاحاً في ذلك الوقت.

لا يسري حكم الاعتقال على حاجاتك البيولوجية، و لا يدرك الجسد أن حقك في الذهاب إلى دورة المياه هو مرتين يومياً فقط،  تحاول بعض الأجساد أن تتأقلم مع هذا الوضع، بينما لا يملك البعض الآخر إلا أن يقضي حاجته في قنينة بلاستيكية أو دلو وضع في المهجع لهذا الغرض تحديداً، وهنا يغدو المهجع أسوأ مما هو عليه بالروائح التي تملؤه واحتمال انتشار الأمراض في ظرف كهذا.

تزداد وطأة المعاناة حين يكون المعتقل أنثى بسبب الطبيعة الأنثوية ذاتها. فالجسد الضعيف وآلام الطمث وما يرافق ذلك من متاعب نفسية وجسدية ، و ما يتطلبه من غذاء و دواء و رعاية  و مسلتزمات أخرى كالفوط النسائية و الحاجة إلى دخول الحمام في أي وقت. البعض اعتقلن أثناء الحمل، ومن عادة التحقيق مع النساء أن يكون السؤال الأول: “حامل ؟ بأي شهر؟ ” ، يتبادر إلى ذهنك حينها أن السؤال هو بدافع الحرص على وضعها الصحي، لكن ما تسمعه من كلمات نابية ترافق تعذيبها ” والله لننزلك هالنجس اللي ببطنك..ما تخلفوا ولاد يا….” يكفي لتعلم أن الرغبة في إيقاع الأذى إلى أقصى حد هو ما يكمن خلف السؤال.

كثيرات أجبرن على تمزيق ثيابهن لاستخدامها بدلاً عن الفوط النسائية التي لا تتوافر في كل الأفرع الأمنية غالباً، مع العلم أن المعتقلة لا تملك سوى ثيابها التي كانت ترتديها لحظة الاعتقال، و في أحيان أخرى تضطر للبقاء تحت البطانية عاريةً ريثما تجف ملابسها بعد عدة أيام لانعدام الشمس و الهواء و الدفء داخل المهجع،  يزداد الأمر سوءاً حين يتم استدعاؤها  للتحقيق وهي في هذه الحال، فتجمع ما يستر جسدها من هنا و هناك بأقصى سرعة ليكفّ عنصر الأمن عن زعيقه وإلحاحه.

كنا نتوسل لساعات في بعض الأفرع الأمنية عبر “الطاقة” الصغيرة في باب المهجع من أجل كيس واحد من الفوط النسائية، و يأتي الكيس بعد عدة ساعات و حين نطلب المزيد يأتينا الجواب :” دبروا حالكم بهدول، شو ما عنا غيركم نحنا؟ عنا تحقيق هون مالنا فاضيين”  و تترافق هذه الردود مع ركل الباب بعنف والصراخ في وجهنا، فما نطلبه رفاهية لا نستحقها.. رفاهية تجعل المعتقلة تخبّئ ما تحصل عليه من جلاديها عن سواها من المعتقلات.

للطعام حكاية أخرى في هذا العالم الغريب، وما يستحوذ على جلّ تفكير المنسية هناك؛ أن تجد مكاناً مناسباً لتخبّئ فيه برتقالة حصلت عليها لتأكلها لاحقاً مع رغيف خبز لأنها الطعام الوحيد الذي يمكنها أكله، وتسعى جاهدة وهي تقشرها لتتجنب لقاء نظراتها مع نظرات من حولها كي تنسى للحظات أن هذه مريضة وتلك طاعنة في السن وأخرى طفلة. ليست المسألة بدافع الأنانية، لكن لا رادّ لحاجة الجسد أو المرض أو ربّما الجنين،  تستحكم غريزة البقاء والخشية من الموت جوعاً ويتمسك المرء بكل أسباب الحياة في هذا الجحيم.

لا تجدي كل محاولات المعتقلات للنأي بأنفسهن عن احتمال الإصابة بالجرب والقمل، ويصبح الخلاص من الحكة أقصى الأمنيات، مع خشية المعتقلة الحامل من أن يؤثر ذلك على جنينها. تترك التشوهات والآثار التي تخلفها الأمراض والتعذيب على أجسادهن ومرارة واقعهن بكل تفاصيله ندوباً قد لا تندمل لسنوات طوال، وهنا يكون النسيان الدواء المرتجى للتخفيف من وطأة الحياة ..دواء صعب المنال.

أحصيت سبعين معتقلة سياسية دخلن خلال شهر واحد إلى فرع الخطيب، وهو فرع واحد من أفرع أمن الدولة وفيه مهجع واحد فقط للنساء، مما يجعل إحصاء نسبة المعتقلات بكافة الأفرع الأمنية أمر أشبه بالمستحيل لكنه يتجاوز الآلاف كل شهر دون أدنى شك.

لعل أكثر مخاوف الأنثى ساعة الإعتقال هي وحدتها في مواجهة واقعها الجديد تحت حكم أحطّ البشر الذين ينتشون بضعفها ويستشعرون القوةَ والجبروت ليعوضوا عن خصائهم النفسي المزمن. في منطق الحرب، تدفع النساء ثمناً مضاعفاً باعتبارهن باباً لإيقاع أشد الخسائر في الطرف المقابل إذ يمنح اعتقال الأنثى شعوراً بالسيطرة و يكفيها نظرات سجانها دون أن ينبس ببنت شفة ليدب الذعر في كيانها كله.  

يصاب المحقق و الجلاد بالهستريا في أحايين كثيرة حين تفاجئهم المعتَقلة بصلابتها و جلَدها في ظرف الاعتقال، لأن الخوف الذي يستمدون منه قوتهم الموهومة معدوم هنا، لتنفلت وحشيتهم من عقالها بجنون أمام من أظهرت بعض الشجاعة  بصرف النظر عن كونها معتقلة سياسية، وهنا تكمن خصوصية الاعتقال الذي يطال الأنثى.

حين بدأت بحلحلة خيوط هذه اللوحة السوداء كان الأكثر إيلاماً؛ الإغتصاب. ليس بمفهومه الجنسي فقط، بل بكل ألوان الممارسات التي  تخلف جراحاً لا تندمل في الكيانين النفسي و الجسدي على حدٍ سواء، و التي يكملها القهر والخذلان فيما تجد المعتقلة نفسها فيه وكيفية تعاطي من حولها مع الأمر: ” أصبحَتْ معتقلة، ربما تعرضَتْ للإغتصاب!، كيف سنستر الفضيحة”، ناهيك عن عبارات التعزية والدعم غير المجدية التي تشي بعجز قائلها: ” كان الله في عونهن، نحن لا حول لنا ولا قوة “، “لانستطيع فعل الكثير لهن” ..الخ.

ثمة وجوه متعددة تتشابه و تتكامل في سِفر الآلام هذا، فدموع مريم وشهقاتها وهي تخبرني عن عنصر الأمن من الفرقة الرابعة الذي خلع بنطاله في سيارة الرحيل إلى الفرع ليحشر رأسها بين فخذيه و خوفها من أن تسمعها شقيقة زوجها التي تجلس بمحاذاتنا في المهجع كي لا يؤدي ذلك إلى طلاقها، لها ذات الوقع الموجِع الذي ترسمه نظرات فاطمة المعتقلة منذ عامين كلما وقعت عيناها على الأساور التي انحفرت في معصميها بعد أن تمّ شبحها عدّة مرات أثناء التحقيق.

الاعتقال بحد ذاته “بغض النظر عن جنس المعتقل” هو سحقٌ ممنهج  لإنسانيته و كرامته و ذاته في أسوأ صورة يعجز الخيال عن تصورها، ولكن هذا التصور يغدو أكثر قبحاً حين يكون المعتقل أنثى لكثرة الاحتمالات المفتوحة في اعتقالها و ما قد تتعرض له، الأمر الذي يجعل تقبل الأمر و التعامل معه في غاية الصعوبة و التعقيد.

نُشرت هذه المقالة على موقع أبعاد الإعلام بتاريخ 5/7/2015

Advertisements
 
Leave a comment

Posted by on July 24, 2015 in Syrian Prisoners

 

Tags: , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: