RSS

(2) في الثقب الأسود

11 Aug

(2) في الثقب الأسود 

رسم : لونا وطفه 21/2/2014 سجن عدرا

رسم : لونا وطفه
21/2/2014
سجن عدرا

بقلم : لونا وطفه 

لا يُسمعُ عادةً وقع أقدام سكّان هذا النفق، أقدام حافية منهكة يخنق إيقاعَ مَشْيِها زردُ السلاسل الذي يسحق البدن والروح معاً، وآنَ يتناهى إلى سمعك أنينُ تلك الخطوات تقترب رويداً رويداً تدرك أن موعد تفريغ العبوات والمثانات قد حلّ. 

يقع باب الحمام المُخصص لمعتقلي المنفردات في منتصف الممر الواصل بين مهجع النساء ومكان التعذيب حيث يُسمح لنزلاء المنفردة بالخروج إليه مرة واحدة في اليوم فقط ، وعليهم الإستعانة بعبوة الماء البلاستيكية الموجودة في المنفردة لقضاء الحاجة حتى يحين الموعد التالي.

من زاوية ثقبي الأسود بين الشفرات الحديدية لباب المهجع ، يصل مسامعي صوت السلاسل تنسحب متثاقلة ،يخالطه صوت الضرب والإهانات التي يكيلها الحرس للمعتقل في رحلته حتى باب الحمام. دقيقة واحدة هي الوقت المسموح لإفراغ المثانة مع التهديد بالإخراج بالقوة إن تجاوزَ الوقتَ المسموح. خرّش السمعَ وقع السلاسل ،والبصر أدماهُ مشهد جسدٍ عارٍ إلّا من القهر والخذلان.

يحظى نزيل المنفردة، دون سواه من النزلاء، بجرعة عالية من سوء المعاملة في الأفرع الأمنية ،ويقيم في مساحة بعرضِ متر وطول مترين ولا أحد يشاركه حياة العدم هناك سوى الصراصير التي تدب في هذه العُلبة الإسمنتية الصغيرة، فيتخذهم أصدقاء ويطلق عليهم أسماءَ كذلك ويشاركهم الطعام مما يرميه له جلادوه من البرغل والخبز اليابس ، ولا خيار لديه في هذا الصقيع سوى التحاف بطانية عسكرية واحدة يطويها ليكون نصفها فوقه ونصفها تحته ؛بطانية مشبعة برائحة بول من سبقوه من نزلاء العلبة ذاتها.

من زاوية صغيرة في الباب وأجزاء قليلة من الثانية، تمكنُ رؤية جلدهم المتآكل في صورة دوائر كبيرة نقشها إزميل الزمن التعيس. يقول البعض أن لسع البق الذي قد ينفذ إلى العصب والدمامل والصعقات الكهربائية تترك آثاراً كهذه تتركز في اللأطراف غالباً. تستطيع في تلك البرهة المسروقة أن ترى مدى نحول الجسم وضعفه وتعتقد للحظات أن بإمكانه إخراج قدمه الهزيلة من الحلقة المغلقة عليها. تستضيف المنفردة نزلاء من كل الأعمار، رأيت شباناً وكهولاً،رأيت عجوزاً يتعثر في مشيته مع كل خطوة يخطوها محاولاً التوازن بين خلعٍ في قدمه وثقل القيد عليها.

تتكرر المشاهد عينُها كل يوم؛ المعتقلون ذاتهم والعنصر الأمني المرابط على باب الحمام يمنعهم من إغلاقه إمعاناً في الإذلال والإهانة، ويصرخ بهم بصفاقته المعهودة : ” يلّا يا حيوان ما خلّصت لسّا، بتطلع ولا بطلعك بمعرفتي؟” . مهما بلغت سرعة المعتقل في قضاء حاجته فلا مفرّ من أن يتعرض للضرب حين خروجه لأنه تأخر..!.

يكتفي العنصر أحياناً بالوقوف بعيداً أو يجلس وراء مكتبه ليتابع دخول المعتقلين إلى الحمام مردداً كلماته النابية المعتادة. يمنع بقية المعتقلين من الخروج من الزنازين حتى ينتهي أحدهم ويُعاد إلى زنزانته ليسمحوا لآخر باستخدام الحمام بالترتيب. شهدت خروج معتقلين اثنين معاً مقيدين إلى بعضهما  في حالة واحدة فقط، قدرت أن عمر كليهما لا يتجاوز الثلاثين، كانا نحيلين بشدة كما هو متوقّع وحليقي الرأس، يستر جسد كل منهما سروال داخلي والكثير من الندوب. لهذين الشابين حكاية معي. 

في إحدى لحظات التلصص السانحة وبعد انتهاء المعتقلات من الغداء، طلبن مني أن أضع ما تبقى من الخبز خارج الباب منعاً لتكاثر الصراصير داخل المهجع، وقمت بدفع الخبز من الفتحة الصغيرة أسفل الباب إلى الخارج ليأخذه عمال السخرة – وهم معتقلون أيضاً- لاحقاً، فلم يكن مسموحاً لنا النقر على الباب لأي سبب كان. بعد فترة وجيزة وكان الخبز لا يزال في مكانه، حان وقت دخول الحمام ولم يكن العنصر واقفاً بالقرب من الباب بل كان يزعق من مكان آخر. جاء الشابان مسرعين باتجاه مهجعنا ليخطف أحدهما الخبز ويدخلاه معهما إلى الحمام بسرعة، ماذا سيفعلان بالخبز في الحمام؟ ، ألم يخافا كاميرات المراقبة أو العناصر؟ ماذا سيحدث الآن؟، تساءلت وقد أذهلتني المفاجأة. دقيقة واحدة كانت الفاصل بين دهشتي وخروجهما بأيدٍ فارغة وقد خبّأ أحدهما الخبز في سرواله الداخلي وراءه والتصق به الآخر مغطياً ظهره، ومضيا سريعاً تحت وطأة التقريع والإهانات ليدخل آخر ثم آخر.

لم أكن أعلم قبل ذلك اليوم أن كمية الطعام المخصصة لمعتقلي المنفردة أقل بكثير مما تأخذه باقي المهاجع للذكور والإناث على حد سواء، وقررنا منذ تلك اللحظة أن نضع الخبز كل يوم في ذات توقيت دخول الحمام. لم يكن الأمر سهلاً بطبيعة الحال، فالخوف من عناصر الأمن حاضر في كل لحظة، احتمال أن يتعثر الشابان بالسلاسل إن مشوا بسرعة لالتقاط الخبز، وإخفاء الخبز عن أعين العناصر. لم يكن بالإمكان الحديث معهما لمعرفة إمكانية وضع أشياء أخرى مع أرغفة الخبز؛ برتقالة أو قليل من البرغل أوالرز، وذات يوم حدث ما لم يكن متوقّعاً. خلال مراقبتي لما يجري وراء باب المهجع قبل الغداء ،بدأ صوت السلاسل يقترب ثم رأيت الشابين يدخلان الحمام. صرخت بالفتيات ليجمعن بقايا الطعام في المهجع فقد أتى الشابان قبل موعدهما المعتاد، بقايا الخبز لم تكن صالحة للأكل إلا أننا جمعناها ووضعناها في كيس دفعت به خارج الباب. فشلت في وضع الخبز قبل دخولهما إلى الحمام وأملت أن يلتقطاه أثناء خروجهما، لكن الوقت لم يكن كافياً ولا يسمح بإخفاء الخبز. رمق أحدهما كيس الخبز الملقى على الأرض وقاطعه الآخر شادّاً إياه “دون قصد” ليعودا إلى الزنزانة.

تطعنك نظرة ذلك الشاب التي تقطر ألماً وبؤساً كخنجر حاد، فأنت تعلم الآن أن أحدهم على مقربة منك في مهجع آخر يقضّ الجوع منامه ويتغذى من أحلامه، وأنك تملك في مهجعك ما يفيض عن حاجتك من الخبز تدفعه لعناصر الأمن ليُرمى في الحاوية، وتعلم حين تَدْهَمُ ذاكرتك تلك أن ثمّة من يحتمل ألماً مضاعفاً في هذا المكان الرهيب، وأن للعذابات ميزان واحد متباين الكفّات والأوزان ؛ ميزان عدالة أُسْقِطَ المعنى من متنه حين أبى أن يكون عادلاً.

Advertisements
 
Leave a comment

Posted by on August 11, 2015 in Syrian Prisoners

 

Tags: , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: