RSS

(3) زفرات ما بعد المجزرة

21 Aug

حين تصبح الجنة جحيماً

بقلم: لونا وطفه

تم نشر هذا المقال باللغة الإنجليزية  للمرة الأولى بتاريخ 3/9/2013 على مدونة الأمريكي كلاي كليبرون 

كتب المؤرخون عبر قرون عن الغوطة الشرقية في ريف دمشق، وكيف أنها دائما رمز الخير, رئة ساكني دمشق والجنة لجميع مواردهم الطبيعية.
أضحت الغوطة اليوم رمزاً للموت يراها العالم بأسره, أصبحت جحيماً في النفوس التي تموت بصمت, جنباً إلى جنب مع كل تفاصيل الحياة السابقة, البشر، والشجر، والحجر.

استيقظت الغوطة الشرقية بتاريخ 13/ شوال 1434/ الموافق لـ 21 آب /2013 على أصوات صواريخ أطلقت من اللواء 155, عددها 12صاروخا سقطوا في بلدتي زملكا وعين ترما الساعة الثانية ونصف صباحاً,وهي مناطق ذات كثافة سكانية عالية وبعيدة عن خط المواجهة العسكرية البرية, كان معظم الناس غارقين في نومهم حين حصلت الفاجعة الكبرى, تساقط الناس كأوراق الشجر والنائمون لم يستيقظوا من نومهم أبداً, ذلك المشهد كان مؤلماً جداً.

رغوة كثيفة كانت تخرج من أفواه المصابين وغطى أعينهم الاحمرار, تبين فيما بعد أن الاثني عشر صاروخاً كانوا محملين برؤوس كيماوية, سقطت على المدنيين العزل الذين لا يملكون وسائل حماية تقيهم خطر هذه المواد السامة القاتلة فهلك الكثير منهم.

بدأت الإسعافات في المناطق القريبة من المدينة وأصبحت مآذن الغوطة الشرقية تنادي لإسعاف المدنيين من الأهالي العالقين, امتلأت المشافي الميدانية بالشهداء والمصابين وعجزت عن استيعاب الأعداد المتزايدة منهم, كان هناك نقص حاد بالمواد الطبية, مما جعل مهمة العدد القليل من الأطباء الموجودين شبه مستحيلة.

تحدثنا الطبيبة ندى التي تولت العلاج في إحدى النقط الطبية فتقول  ” استقبل المركز الصغير هذا 800 حالة أغلبهم خرج شهيداً من هنا, لم نستطع تقديم أي حالة على أخرى كما نفعل عادة بالحالات الإسعافية, فالاطفال والنساء و كبار السن جميعهم حالات اسعافية مستعجلة. الإمكانيات المتواضعة في هذه المراكز جعلت من الصعب تأمين الحياة لهم, عانينا من نقص حاد في إبر الأتروبين, وبعض الحالات خرجت و عادت بعد يومين بمضاعفات أخرى, لم تكفها الكمية القليلة التي أعطيناها لهم من الأتروبين وكان علينا توزيع تلك الكمية على الأعداد الكبيرة التي أتت”..

طبيب آخر يقول ” رأيت الكثير من الموتى في هذا اليوم, استشهد خمسون طفلاً بين يدي فقط ” يبكي الطبيب و يكمل ” حتى أصدقائي المسعفين استشهدوا في اليوم التالي بسبب احتكاكهم مع الحالات المصابة بغازات سامة بشكل مباشر, لم نستطع تقديم الكثير”.

تولى الدكتور نبيل العلاج في مركز آخر, عاد بعد انتهاءه من عمله إلى المنزل ليعلم أن أبناءه الخمسة قد استشهدوا في هذه الليلة, لم نستطع الكلام معه, هو غير قادر على الكلام الآن ويعاني من اضطرابات نفسية شديدة. إبر الأتروبين كانت العلاج الوحيد لكنها لم تكفِ جميع المصابين, فكانت الحصيلة منذ الساعات الأولى 1225 شهيداً و 6000 إصابة.

بعد المجزرة بيوم واحد أصبحت العائلات تبحث عن المفقودين من أهلهم, بعضهم استطاع الهرب والابتعاد, والبعض الآخر دفن دون اسم أو هوية لصعوبة تأخير دفنهم حتى يتم التعرف عليهم, أكثر من 200 شهيد غير موثقين دفنوا.
قام بعض الناشطين بتصوير مجهولي الهوية من الشهداء, وأطلقوا حملة بعنوان “خبرني يامؤمن” .هدف الحملة هو طباعة صور الشهداء والمصابين ونشرها بمعرض للصور..

مجموعة من صور المعرض

مجموعة من صور المعرض

يحدثنا الدكتور محمد أحد القائمين على هذه الحملة فيقول إنه معرض من نوع آخر، ليس معرضاً للفن بل هو معرض للشهداء, إحدى السيدات أتت للبحث عن أحد عشر شخصاً من عائلتها, توقعت أن تجد بعضهم أحياء, رأت صورة الأحد عشر شهيداً معلقة في ذلك المعرض, من الصعب جداً أن أصف حالتها لكم بعد ذلك”.
في مكان آخر بعيداً عن ذاك المعرض تم تجهيز مراكز إيواء, أطفال دون عمر النطق وجدوا أحياء وحدهم, تم تجميعهم في تلك المراكز, و أعلن الناشطون عن مكان وجودهم في كل الغوطة, أحد الآباء بعد أن اجتمع بطفله كاد يفقد عقله حيث لم يكن يتوقع أن يراه حياً بعد الآن.

توافدت العائلات بحثاً عن أحبائهم الذين فقدوا أو استشهدوا نتيجة قصف نظام الأسد بالأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً لمنطقة مأهولة بالمدنيين العزّل, وتم لم شمل معظمهم..
الطفل ماهر لم يكن محظوظاً ليجد أحد أفراد عائلته فيما بعد, يحدثنا ماهر كيف سقطت أمه أمام باب المنزل وهي تحاول إخراجهم منه, ثم سقط والده وأخته الأكبر عمراً بسنتين, و أخوه ذو الست سنوات أيضاً, ماهر “12عاماً” فقد كل عائلته وكان هو الناجي الوحيد, ناجٍ لا نعلم كيف ستكون حياته بعد الآن, يبكي أمام الكاميرة ويقول ” أريد أمي”.

لم ينتهِ العمل بعد ذلك, يخبرنا الناشط الإعلامي من الغوطة أبو وسام: ” ذهبنا في اليوم الرابع بعد المجزرة إلى منطقة تسمى المزرعة في زملكا, أخبرونا أن هناك جثثاً لاتزال في المنازل لم يتم إخراجها بعد, عائلات بأكملها لاتزال نائمة حتى هذه اللحظة, كانت رائحة الموت و التفسّخ في كل مكان, أخرجنا في يوم واحد 400 جثة”.
يكمل أبو وسام: ” فقدنا في ذلك اليوم صديقنا أحمد الذي كان يوثّق معنا تلك الحالات, قُنص بالقرب من زملكا و استشهد فيما بعد, لم نستطع تصويرهم لأنه كان هو من يتولى مهمة التصوير”.

وعند سؤالنا له عن الحالة العامة بعد المجزرة قال: ” من الصعب تصوّر ماحدث, بعض الذين شهدوا المجزرة فقد عقله أو أصيب بحالة نفسية سيئة جداً, وجدنا أحد الكبار بالسن جالساً منذ يومين في أحد الشوارع, فقد النطق ولم يستطع إخبارنا عن مكان سكنه, أمسك مسماراً من الأرض وبدأ بالحفر على يده ليخبرنا أنه من زملكا, رغم أننا منعناه من فعل ذلك بنفسه وأعطيناه قلماً ليكتب لنا إلا أنه لم يستطع الكتابة رغم ذلك”.
كان عملاً شاقاً ذاك الذي قام به من بقي حياً في الغوطة الشرقية, حيث بلغ عدد الشهداء 1500 شهيد, وحتى لحظة كتابة هذه الأسطر لايزل هناك مفقودون.

أحياء كاملة أصبحت شاهداً بحجارتها المتبقية فقط على حياة كانت تسكنها, لم يستطع أحد مدّ يد العون لهم فالغوطة محاصرة من قِبل النظام منذ قرابة السنة.

هذه المأساة ليست فيلماً من نسج الخيال, إنها حقيقة يعيشها أهالي الغوطة الشرقية المنكوبة.

الصورة من إعداد وتوثيق لونا وطفه

الصورة من إعداد وتوثيق لونا وطفه

Advertisements
 
Leave a comment

Posted by on August 21, 2015 in Free Journalism

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: