RSS

الإعلام ما بين التحرّش و السياسة

24 Jan

معلوم أن من أهم أدوات السياسة التأثير في القدرات العقلية للشعوب ومستواها المعرفي، ويعتمد تحقيق هذه الغاية في عصر العولمة على الإعلام ودوره خاصة لدى شعوب رزحت -بشكل عام لا يخلو من استثناءات- تحت مبدأ “السمع والطاعة” لكل ما تأتي به وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة. و هنا لابد من الإشارة إلى أن الشعوب الغربية معنية بهذه النظرة بشكل يقارب ما هو عليه الحال لدى الشعوب العربية. حيث اكتسب الإعلام الغربي ثقة شعبه منذ أمد طويل و استخدمها لاحقاً لصالح سياسات الدولة، و بالتالي أصبح الترويج الإعلامي أحد أهم أسس الجيوبوليتيكية المعاصرة، حيث أنه -أي الإعلام- يحقق الهدف بسرعة و توافقية في مثل تلك البيئة المعدّة لتمكينه من أهدافه.
الجيوبوليتيكية تعريفاً هي; علاقة الدولة بمحيطها الخارجي وسياساتها الخارجية، وتصورها عن ذاتها ومحيطها وتأثيرها وتأثرها بالعالم الخارجي، وكيفية صياغة السياسات والنشاطات التي تحقق لها أكبر العوائد وتجنبها المخاطر. مع الأخذ بعين الإعتبار أن هذا العلم يعتبر الدولة كائناً عضوياً في حركة متطورة دائمة
انطلاقاً من هذه النظرة العامة لخطورة الإعلام و دوره الفاعل في السياسات، أسلط الضوء على مثال ليس بالقديم، يبرهن برأيي صحة هذه النظرة
بينما احتلت حادثة التحرش الجنسي الجماعي في مدينة كولن الألمانية بتاريخ 31\12\2015 صدارة المشهد الإعلامي الدولي مخلفةً جيشاً من الحانقين، وما تبع ذلك من خطوات كان لا بد منها لإمتصاص غضبهم، من ترحيل فوري لشريحة كبيرة من اللاجئين، و تأخير مضاعف بإجراءات غيرهم من طالبي اللجوء و تعطيل بعض الخطوات الجدية التي كانت تّعنى أكثر بهم، و الأهم من ذلك كله وضع المدافعين عن وجود اللاجئين بموقع حامل الذنب المعتذر عنه، لم تحظى بالمقابل حادثة اعتداء مواطن ألماني جنسياً على الطفل البوسني اللاجئ ” محمد“ وقتله بتاريخ 30\10\2015 في برلين باهتمام مماثل ولو بالحد الأدنى من ناحية اتخاذ إجراءات معينة، عدا عما ورد في آخر تقرير لمنظمة العفو الدولية بتاريخ 18\1\2016 والذي تضمّن شهادات أربعين لاجئة تعرضنّ للتحرش الجنسي في أوربا وإحداهن كانت فتاة عراقية تبلغ من العُمر 22 عاماً قالت أن حارساً أمنياً يرتدي زيه الرسمي في ألمانيا عرض عليها بعضاً من الملابس مُقابل أن تقضي معه وقتاً بمفردهما. حوادث كثيرة تعرض لها اللاجئون كحادثة الشاب السوري الكردي – على سبيل المثال لا الحصر- الذي تعرض منذ قرابة شهر للضرب المبرح على يد شبان ألمان في إحدى محطات الترام في مدينة بيرنا في الجانب الشرقي حتى كاد أن يفقد حياته، وسواها مما لم يتناولها الإعلام الألماني باهتمام كاف
ما يحدث ليس مشكلة شعوب “همج” كما يّطرِب البعض التسليم به، سواءً العربية أو الغربية، وبالمقابل ليست حالات فردية لا تستدعي الوقوف عندها. ما يحدث هنا هو توجه إعلامي فاضح لمشكلة بعينها دون أخرى والتركيز عليها. ليس فقط من رافضي وجود اللاجئين، بل الأدهى أن التركيز يأتِ أيضاً من داعمي وجود اللاجئين (انطلاقاً من ضعف موقفهم المدافع عن وجود اللاجئين بما يدفع للاعتذار والاحساس بالذنب) وهنا مربط الفرس، ما يستدعي القول أن مثل حادثة مدينة كولن ماهي إلا سلاح جيوبوليتيكي يدعمه تهميش باقي الحوادث من الأطراف ذاتها التي يبدو في ظاهر الأمر الاختلاف فيما بينها. وليس هذا بالأمر العسير في بلد مثل ألمانيا استعان بشعار “لا بد أن يفكر رجل الشارع جغرافياً وأن يفكر الساسة جيوبوليتيكياً” في مرحلة ما بين الحربين العالميتين ليوظف نتائجه حينها لتأكيد أحقية ألمانيا في أراض وبلدان تبعد عنها مئات الأميال شرق أوربا. وإن أردنا اسقاط هذا التكتيك الألماني على هذه المرحلة سنجد أنها تمنح للدول المتورطة في الحرب على الإرهاب مبرراً لتوسيع مجالها الحيوي من خلال اعتماد القواعد الأساسية للجيوبولتيك وهي
 تحديد مصالح الدولة-
(تحديد مصادر التهديد التي تتعرض لها هذه المصالح ( الطبيعة الهمجية والمتطرفة للوافدين من الشرق-
(الرد المخطط لمواجهة هذه التهديدات إن وقعت ( كما يحدث الآن في معالجة الدول الأوربية لأزمة اللاجئين إعلامياً-
(المبررات التي تقدم لاتخاذ مثل هذا الرد ( كمثال حوادث الإعتداء الجنسي –
نحن هنا الآن كلاجئين في أوروبا لا لشيء إلا لأنها توسّع استثماراتها ومجالها الحيوي في بلادنا، و فوق هذا كله توظف مشاكل تُلصَق بنا “تعميماً” لصالح هذا التوسّع
ما بين أيدينا الآن ليس أكثر من استثمار الإعلام وتوجيهه نحو الحوادث المهمّشة، ما بين أيدينا و واجبنا في ذات الوقت هو أن لا نسمح لمثل هذه الحوادث أن تغيب عن الأضواء وبالتالي تصبح داعماً لما يقومون به من توسعات لصالح بلادهم بدل أن تكون داعماً لنا نحن الشعوب المتضررة والمنكوبة، ما بين أيدينا الآن أن ننظر بعمق لوضعنا الراهن و أن لا ننجرف ( كما هو متوقع منا ) و كما الجميع، وراء ما يريد منّا الساسة أن ننجرف وراءه، ما بين أيدينا الآن أن نملك القدرة على تسليط الضوء على ما عُتّمَ عليه قصداً باستخدام قوة جمعية لا تعوزها الكثرة وإنما المنهجية، ما بين أيدينا حقيقةٌ تاريخيةٌ تنتظر أن ندير دفتها إلى مهب رياحنا، حقيقةٌ تقول: الثابت الوحيد في هذا العالم هو التغيرالمستمر

 

12607329_10153937186812612_1623437682_n

 

12576098_10153937184302612_911969656_n

 

12576225_10153937185167612_904443376_n

 

Advertisements
 
Leave a comment

Posted by on January 24, 2016 in Free Journalism, Syria

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: