RSS

(2) جداريات

03 Sep

في غياهب العدَم..هُنا هُنّ

جداريات

-2-

وبي أمل..

رسم : لونا وطفة 21/2/2014 سجن عدرا

بقلم: لونا وطفة

بين جدران تنعم بالكثير من البياض الذي لم تتجرأ شائبةٌ على المساس به، تطوف هواماتُ جدران سابقة لازالت لوحاتها السوريالية تضجّ بأصواتٍ كانت يوماً هناك أكثر من مجرد ذلك.

بطريقة ما، تُختزَل ذاكرة عمرك بأكمله ضمن صندوق أسود واحد يأبى خروجه منك، كثيراً ما تحدثتُ وأصدقائي المعتقلين السابقين عن حقيقة هذه الذاكرة، وأن كيف لبضع سنوات أو أشهر فقط تقضيها في الاعتقال أن تجعل كل ما يمر لاحقاً مرتبط بطريقة أو بأخرى بما مر خلالها فقط دون أدنى تشابك رغم التشابه بين جذور ما سبقها وتكرار المشهد ؟

“تستحضرني هواجس طالع في حديثه المقتضب مع عادل برواية منيف ” الآن هنا

أحمل السجن معي أينما ذهبت، ويبدو أنني لن أستطيع التخلي عنه أبداً !”

تحمل السجن معك ؟

نعم، وهذا أخطر مافي المشكلة. لقد أصبح السجن بالنسبة لي، حالة لا تغادرني، تماماً كالعلامة الفارقة !”

في عليّة منزل ما في ألمانيا، تذكرني نوافذها الصغيرة والمرتفعة بشكل لا يسمح بالنظر من خلالها إلا بالوقوف، بتلك التي غادرتها منذ عام ونصف في السجن المركزي بدمشق، لا شيء آخر أراه فيها رغم ما تطل عليه من مناظر خلّابة بمقابل اللاشيء الذي كانت تطل عليه نوافذ السجن المكسوة بالحديد والعدم.

و في جدرانها البيضاء الصامتة حد الغثيان ما يذكرني فقط بتلك الهوامات، أذكر أنّي في أوقات كانت تمتص ألم ساعات التحقيق المطول، لم أكن أقوى على الحديث المباشر مع معتقلة أخرى، لكن تلك الهوامات كانت تفرض عليّ حديثاً متخيلاً من نوع آخر. تفاصيل من مروا حقيقة وليس وهماً بين الكلمات المكتوبة فوق جدران زنزانة، أسفل مدينة تكاد تملك ذاكرة جمعية للحياة تحتها.

الجدار الثاني

هو ذاك الذي يصحّ وصف ارتباطك به بطبيب يضع السماعات الطبية ويقترب من القلب، أكثر المناطق حساسية و وضوحاً لشرح حالة مريضه، حينها يبدأ بسماع تلك النغمة العذبة المتسارعة أحياناً والمتباطئة أحايين أخرى. لكنها تبقى بوصفها حياة، بكل ما تحملله من علل.

أوسعُ امتدادٍ للكتابة والصراخ. فحيث أن الجدار الأول كان ينتهي بمساحة تجاور باب الحمام الخشبي لم يكتب في نهايتها سوى اسم ” غفران الحمدان ” بخط صغير، تبدأ مساحة الجدار الملاصق له من اليسار إلى اليمين، والذي يحتل واجهة المهجع من جهة عدم تدخّل عناصر أخرى في تكوينه. كان مجرد حائط فقط تزاحم عليه ساكنوه، بعضهم حفر ذاته هناك وبقي شاهداً صامتاً على من يمرون بعده، يمسح بكلماته على أفئدتهم المتعبة و أجسادهم المتورمة من ممارسات جلاديه، ويؤكد حقيقة واحدة لاتزول ” إعلم أنك لستَ وحدك !”

كتبَ هناك أبو عمر في الزاوية اليسرى من منتصف الحائط ” نحن أحرار.. حيث يجب أن نكون  19/4/2011″ كان لجملته هذه سرداً طويلاً في رحلة اكتشاف شخصية كاتبها، أراه بنصف ابتسامة تترنح بين الثقة والحنكة يردد لي كلاماً سمعه ذات مرة في مكان ما ونحن نتشارك فنجان قهوة في إحدى المقاهي الشعبية في دمشق القديمة ” الحرية يا صديقتي مثل المرأة الفاتنة، لا تذوقها عندما تتحدث عنها، بل حين تتورط فيها “. متجاوزة ذهولي بنصف الابتسامة وفلسفة الوجود، أقاطع سرده: ما الذي أتى بك يا أبا عمر إلى زنزانتي ؟ إلى مهجع خصص للنساء ؟ لم يجبني أبو عمر عن ذلك، لقد آثر أن اكتشف وحدي أن الحرية لم تكتفي بكونها مثل امرأة فاتنة، بل رجلٌ آسرٌ أيضاً، حينها تساوى الجنس في المهاجع.

بعيداً عمّا كتبه أبو عمر وفي أقصى الزاوية الأخرى، كانت أم الباشا ” كما اختارت لنفسها لقباً ” تقف بقامتها الممشوقة و حجابها المشدود برصانة. ترفض النظر إلى الأسفل، إلا عندما اضطرت مكرهة أن تكتب أسفل ويمين الحائط في زاوية الكاميرة العمياء. أكاد أرى دمعتها للمرة الأولى هناك، حين اضطرت للإنحناء أثناء الكتابة، تلك التي لم تنحني حتى عندما عُذّبت بشدة لتعترف عن مكان وجود ابنها المنشق ” كما أعتقد” إذ أنها لم تخبرني قصة ابنها حين رأيتُني خيالاً يزورها في منزلها تتنقل بي بين صور عُلقت على الحائط تباهي بأصحابها بين أبناء وأحفاد كل زائر لها. “ باب السجن ما بيتسكر ع ابني الباشا ! 10/5/2013 ” بطريقة ما كنتُ أعلم أنها اختارت السجن عنه وخبأته بعيداً عن أعين مُعتقِليه.  ترى ماذا حلّ بك وبابنك بعد ذلك يا صديقتي ؟ كلماتها القليلة رفضت أن تُنبيني بأكثر من ذلك عن قصتهما، كان كبريائها ينساب رغم فارق زمن الاعتقال بيننا ليبقي لكلماتها لوناً نابضاً وسط شحوب الجدران.

بين ما نقشه “أبو عمر” وما خطّته “أم الباشا” سردٌ يحفر أثلاماً على وجع الحكايا، تلبّست الحائط به كثيراً من الأرواح الهائمة، بعضهم كتب ” الله أكبر من ظلمكم” وبعضهم قرر أن يكون للحرية مقاساتٌ مختلفة باختلاف حجم الخط المحفورة فيه. تواريخ بدأتها الثورة ولم تُنْهِها. رجال ونساء، فرادى وجماعات، بأساليب مختلفة للحفرعلى حائط أعيد طلائه مراتٍ كثيرة لإخفاء ما نقش هناك خوفاً من أن يكتشف أحد سرّه، لكن الكلمات آثرت أن تبقى راسخة إذ يتهاوى الطلاء ضعيفاً هشاً من فوقها.

شَقٌ طويل انفرد بالمساحة بين زاويتي الجدار، اتخذ لنفسه موضعاً فوق حكاياهم دون أن يملك جرأة اقتحامها. ضجّ ما دون ذلك الشقّ بهم، من أدنى موضع في الجدار صعوداً لأعلى نقطة تطالها أنامل الواقف على أصابع قدميه. بعض المساحات ازدحمت أكثر من غيرها بجملٍ متراصّة أشبه ما تكون بمظاهرة في بداية الحراك السلمي تقترب الأكف والأكتاف فيها حد الالتصاق لتواجه مصيراً واحداً، و بعضها الآخر كان كلمة واحدة وسط فراغ يحيطها كهالة عنفوان.

تحت هذا الجدار تمددت مئات المعتقلات، تسييفاً لضيق المساحة. تحته أيضاً تحدثنا همساً عن الثورة وغنينا لها، وعن الأمل القابع خلفه. داوينا جراحاً و إصابات تعذيب. تحت هذا الجدار، زرعنا الدمع والقهر و حصدنا الوقت الفائض عن الحاجة.

بيد أنه و فوق ذات الجدار، تيقنت وأنا أقف أمام حضرة الرسائل القصيرة لمن حفروا هناك شخوصهم التي عرفتها دون أن أراها، أنها لم تكن يوماً مجرد رسائل. بل شيفرات تفتح أقفال سجنك الداخلي لتخرجك منه، كانت مدخلاً عبر جدار ما إن تجتازه حتى تترك ورائك حدود المكان المكتظ بك وبهم، وتجد نفسك أمام اللامحدود.

حين اكتشفت هذا السر الذي حاول الجلادون جاهدين إخفائه بالطلاء، وجدتني انتقل للجدار الثالث، أسلم على ساكنيه، و أفتح فيه مدخلاً لآخرين سيأتون بعدي.. هناك حيث كتبت.

 

Advertisements
 
6 Comments

Posted by on September 3, 2016 in Syria

 

6 responses to “(2) جداريات

  1. Talha Khan

    September 3, 2016 at 3:09 pm

    Can you please translate in English?

    Liked by 1 person

     
  2. Masoud

    September 8, 2016 at 1:58 pm

    شكرا لهذا المقال و تحية طيبة الاخت المناضل لونا وطفه

    Liked by 2 people

     
  3. Freedom Star

    September 26, 2016 at 4:10 pm

    Thank you for this article. Good luck.

    Like

     

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: