RSS

أستانا.. حلٌ روسيٌ لا سوري

21 Jan

 

16114843_376802332689885_2108299437897386565_n

كاريكاتير الفنان ياسر أحمد، نشر بتاريخ 16/1/2017 على صحيفة العرب اللندنية

تضاربت ردود فعل السوريين خاصة والعالم عامة حول مشاورات أستانا التي ابتدأت فعلاً بشكل تمهيدي اليوم الواحد والعشرين من الشهر الأول لعام 2017 في عاصمة كازاخستان، ولكن هل نستطيع اعتبار هذه المشاورات الواجهة السياسية لحرب حقيقية بين الحلفاء ؟

ما يميز هذه المشاورات عن غيرها أنها توجهت بعيداً تماماً عن الصيغة المتفق عليها منذ بيان جنيف 1 عام 2012، وهي فكرة إحلال السلام، وبرغم أن “تثبيت وقف إطلاق النار” يؤدي للنتيجة الحتمية ذاتها للصيغة الأولى إلا أن اعتماد من يقوم بمثل هذه الصيغة بشكل واقعي هو مربط الفرس.

الكواليس مزدحمة :

ما وراء ستار أستانا، يبدو أن هناك حرباً حقيقية بين حلفاء ومصالح على الساحة السورية، حيث تتصاعد الأعمال العدائية والتصريحات المقصودة من كلا الطرفين الروسي والإيراني. ففي الثالث عشر من الشهر الحالي أُعلِن عن إيجاد ثلاث جثث لروس في مدينة الباب لم يُعرف من قام باغتيالهم. الرسالة كانت واضحة للروس، بيد أنهم لم يستعجلوا الرد.

ثم وفي منطقة وادي بردى ظهر الدور الإيراني الأسدي بشكل أوضح، فقام الأول بعرقلة المفاوضات لإصلاح نبع عين الفيجة الذي يغذي ما يقارب 6 مليون نسمة في العاصمة السياسية دمشق، وقام الأخير باغتيال المفاوض الذي اختاره بنفسه مع تباين الروايات حول حقيقة اغتيال الغضبان إلا أنها تبدو الأقرب للصحة في خضم الخلاف الواضح حول سير الأمور. ثم قام النظام بتاريخ السابع عشر من ذات الشهر بإرسال رئيس وزراءه عماد خميس بزيارة تطمين للجانب الإيراني مفادها أننا لن نستغني عنكم، نتج عن تلك الزيارة توقيع خمس عقود جديدة والإعلان عن السادس قريباً، علاوة على ما تم توقيعه وبيعه علانية منذ بداية وصول الأسد الابن للسلطة، والذي تركّز في مجالات الطاقة والاتصالات و القطاع العام أي المجالات الحيوية والفاعلة في الاقتصاد السوري.

على سبيل المثال لا الحصر، صعد حجم التبادل التجاري بين إيران ودمشق من 430 مليون دولار في العام 2010 إلى 869 مليون دولار في العام 2014 حسب مؤسسة تنمية التجارة الإيرانية

لم يتباطأ الجانب الروسي بالرد بعدها، حيث قام بالتبرير لإسرائيل قصفها أكثر المناطق تحصيناً أمنياً للنظام في عاصمته السياسية بحسب تصريحات نائب رئيس لجنة مجلس الدوما للشؤون الدولية أندريه كليموف. كانت رسالة واضحة من الروس فحواها أنهم لهم بيادقهم أيضاً، وأن باستطاعتهم قلب الطاولة بحرفية الكلمة على النظام ومن والاه حال اختلاف التوجهات، ومن جهة أخرى إظهار قدرتهم “الأكثر فعالية” بالرد، كان بمقدور الروس إبداء رد فعل أقل عنفاً ومدى، لكنهم أرادوا على ما يبدو قطع رأس القط دون مواربة بعد استفزازات النظام والإيرانيين لهم.

قد يطرح سؤال نفسه هنا: كيف يختلف الحلفاء الروس والإيرانيون، مع قيام موسكو منذ أمد قريب بفك تعليق اتفاق أسلحة منظومة الدفاع الجوية الموقع بينهما منذ عام 2007 وتسليم صواريخ أس 300 لطهران ؟ يكمن جواب هذا السؤال في فهم الخلاف الآخر خلف الكواليس؛ الروس والأوربيين.

حيث كانت حجة الروس بفك تعليق الاتفاقية هي الاتفاق المبرم بين الدول الكبرى و إيران في لوزان أبريل 2015، والذي يقضي بوقف الحصار الاقتصادي وفتح التبادل التجاري مع الإيرانيين. لم يكن تسليم الأسلحة للإيرانيين مصدر خطر قريب أو بعيد لدولة عظمى مثل روسيا، بيد أنه كان نكاية واضحة للغرب الذي لم يرق له ذلك.

الحرب الباردة “حتى الآن” بين الغرب و روسيا تبدو واضحة الملامح في أستانا، حيث تم استبدال الواجهة المعتمدة للتفاوض مع الغرب من جهة الشعب السوري، المعارضة السياسية، بتلك الأخرى التي لم يفاوضها أحد ما سابقاً ” المعارضة العسكرية “، حتى أن المعارضة السياسية لم يتم توجيه أي دعوة لها لحضور المشاورات، وتم اختيار المكان أبعد ما يكون عن أي عاصمة أوروبية. بل أكثر من ذلك، وجود الحليف التركي الآن أصبح علامة جيدة بالنسبة لنجاح هذه المشاورات من خلال تأثيره الحقيقي والمباشر على الفاعل الأقوى على الأرض أي الجانب العسكري.

من خلال تغيير الوسطاء سياسياً واعتمادها صراحة التعاون التركي الفاعل، استطاعت روسيا توضيح دورها الحقيقي للعالم، أتى بعد كل ذلك تصريح لافروف بتاريخ 17 يناير مكملاً للصورة لا أكثر، حين قال: “العاصمة السورية دمشق، كانت ستسقط بيد الإرهابيين خلال أسبوعين أو ثلاثة على الأكثر لولا تدخل روسيا”، في إشارة واضحة لتحجيم وتسخيف الدور الإيراني في الحرب السورية، و لربما برسالة مبطنة للنظام السوري من الروس: أننا فهمنا الدورالذي تقوم بلعبه من تحت الطاولة و ذلك لن يفيدك في شيء.

كُلِّل هذا التصريح بعد فهم الإيرانيين والنظام له بتوقيع اتفاقية أخيرة بتاريخ 18 يناير بين الروس والنظام السوري، نشر بنودها موقع روسيا اليوم، كان من أهم ما ورد فيها أن كل ما يقدمه النظام السوري للروس سيكون ” دون مقابل ” لـ 49 عاماً ومن ثم تلقائياً لمدة 25 عاماً أخرى، وبهذا تتفوق هذه الإتفاقية على كل ما سبقها من الجانب الإيراني.

هذه الحرب الباردة على الصعيد السياسي، الحامية على الصعيد الواقعي أدت لتحريك الغرب لبيادقه الموجودة على الأرض السورية والتي بحجتها أقام حربه العالمية التي لم ولن تنتهي “حرب الإرهاب”

حيث قامت داعش بتاريخ 8 الشهر الحالي بتفجير معمل غاز حيان الذي وصف حسب وكلات أنباء ألمانية أنه تدمير لأكبر منشأة اقتصادية منذ بداية الثورة السورية عام 2011، وبتاريخ 20 من ذات الشهر قامت بتفجير القسم الأهم من المسرح الروماني في مدينة تدمر الأثرية، المكان ذاته الذي أقام الروس سمفونيتهم فيه بتاريخ 5 مايو 2015 بعد طرد داعش منها، كان يجب أن تكون ردّة الفعل الأوروبية مدمرة، رمزية، وتُظهر في الوقت ذاته الكثير من التخبّط.

 أستانا في حقيقة الأمر أشبه ما تكون بكواليس مسرحية تدور أحداثها على الأرض السورية، جميع الحلفاء في الظاهر، الروس والأتراك من جهة والإيرانيين والأوربيين من جهة أخرى يبحثون بكل سبل التغيير الديموغرافية والسياسية لفرض خارطة أخرى للطريق، خارطةٍ جيوسياسية تعكس موازين القوى العالمية ليس كما عرفها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ختاماً، يبدو لنا أن الحل السوري في مشاورات أستانا مجرد واجهة لا أكثر، وأنها – أي المشاورات – إن نجحت، ستكون فعلاً انتصاراً للمحور الروسي التركي على كل من سبق ذكرهم، و سيغير ذلك تاريخاً طويلاً بدأ فعلاً بتفكيك الإتحاد الأوروبي وفي غالب الأمر أنه لن يقف عند ذلك.

 

Advertisements
 
Leave a comment

Posted by on January 21, 2017 in Syria

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: