RSS

Author Archives: baselluna

About baselluna

ستدرك الحقيقة، وعندما تدركها.. سوف تتحرّر

(8) في غياهب العدَم.. هُنا هُنَّ

في الخامس عشر من شهر آذار لعام 2014 وطأت قدمي للمرة الأولى سجن النساء المركزي في مدينة عدرا بريف دمشق، رغم أن التفاصيل الذي يحتويها ذاك البناء الهارب من روحه أكثر من أن تحصى إلا أنني اليوم سأتكلم فقط عن صفاء غُرّة

وبي أمل..

رسم : لونا وطفه 21/2/2014 سجن عدرا

 فتاة عشرينية بسيطة المظهر، تكاد لا تميزها وسط الكثير من الوجوه المنحشرة في زاوية صغيرة جداً من اتساع هذا الكون، إلا أن هناك ملمحاً مميزاً فيها يترك فيك انطباعاً من الصعب تجاهله إذا مرت بمحاذاتك، إنه سحر ابتسامتها الدائمة

عَرفْتُ صفاء فتاةً نشيطةً لا تهدأ، فمن مهجع لمهجع محاولة إقناعك بابتسامتها البريئة أن لا طعم يعلو على طعم فطائرها المعدّة بأكثر الطرق بدائيةً في السجن ” اشتري مني و بكارمك بالسعر والله عم بيع الوحدة بخمسة بس ألك التلاتة بعشرة ” كانت هذه جملتها للجميع طبعاً وكنا نعلم ذلك ما جعل الأمر يبدو مقنعاً أكثر للشراء، وحيث أنها حرمت من الزيارة الأهلية، بات العمل بالنسبة لها يعني الحياة، فإن استطاعت البيع استطاعت شراء احتياجاتها الخاصة وإلا فإن أبسط ما يمكن أن تفكر فيه من احتياجات يومية قد يكون بعيداً بعد السماء عن الأرض

كان دأب صفاء كل يوم أن تشتري من الندوة الموجود في السجن الزيت الذي تحتاجه للقلي مع القليل من الطحين ومستلزمات العجين وتبدأ العمل منذ الصباح، لم يكن الأمر يبدو بالبساطة التي تصورها كلماتي هنا، فقد كان عليها  أولاً أن تنهي عمل تنظيف المهجع الموكل لها ومن ثم تبدأ عملها الخاص الذي ينتهي بحصة من المال لمشرفة المهجع بسبب سماحها لها بالعمل وحصة أخرى لمشرفة الجناح كي لا تكتب تقرير وشاية يمنعها عنه، ثم تسارع بما تبقى من حصيلة عملها لتشتري من الندوة ما تسد به رمقها وتكفي نفسها مذلة السؤال

والندوة هو مكان أشبه بمحل صغير داخل السجن  يُفترض أن يكون مسؤولية جمعية رعاية السجناء ما يعني رخص المواد الأولية فيه مقارنة مع الأماكن العامة، بيد أن الأسعار به كانت تنافس أرقى المحلات، عداك عن البضاعة التي كانت بالمجمل سيئة جداً وأحياناً منتهية الصلاحية

حال المعتقلات اللاتي تأتيهنّ زيارة من الأهل أفضل، فالطعام والمال متوفران. وهذا ما لم تكن صفاء وأخريات ينعمنَ به. بيد أن الاختلاف حتى بحجم المأساة كان دائماً من نصيب صفاء، فقد كانت معتقلة لصالح محكمة الميداني العسكري، تلك المحكمة التي لمجرد سماعك بإسمها يشخص أمامك حبل المشنقة بكل قبحه

بحكم دراستي للحقوق كانت الكثير من الدعاوى تتلى على سامعي بغرض النصيحة أو الاستشارة أو المساعدة في إيصالها للمحامي، لكن القضايا التي من شأن تلك المحكمة كانت تُعجز الجميع، فلا أحد مهما علا شأنه استطاع تغييرحكمٍ فيها او استصدار حكم براءة بتهمة جائرة. عادة ماتكون الأحكام فيها بالإعدام أو بالسجن بما يتجاوز “الحكم مدى الحياة” أي يفوق 25 عاماً ويصل إلى 35 عاماً، وقد يستغرق المتهم  سنوات حتى يمثل أمام القاضي في جلسة لا تتجاوز مدتها الخمس دقائق، دون وجود مرافق أو محام، إذ لا يُسمح للمحامين بالمرافعة أمام قضاتها، ومن ثم يصدر الحكم وينفذ فوراً، وغالباً ما ينفذ في السجن العسكري صيدنايا وهو ما يُعرف الآن بمثلث الموت

وبرغم برائتها التامة مما نُسب لها واعتقالها التعسفي إلا أن صفاء بدت متصالحة مع هذا الواقع الذي فُرض عليها، فابتسامتها وعملها الدوؤب خدعنا جميعاً بمدى شعورها بالمصيرالمنتظر

ذات ليلة من شهر نيسان 2014، وبعد إغلاق أبواب المهاجع علينا، ضجيج هائل وصراخ يملأ المكان مصدره المهجع الثاني حيث توجد صفاء، طرقٌ على الأبواب واستدعاء لمشرفة الجناح الخامس أن تأتي لأنها حالة مستعجلة، وقفنا خلف الأبواب المغلقة محاولين التلصص على الحدث من بين القضبان، صراخ غير مفهوم و ركض في الممرات انتهى بعبارة واحدة  وصمتٍ جاف، صفاء فقدت عقلها

الفتاة اللطيفة جميلة المعشر تحولت فجأة لفتاة تعضّ أي أحد يحاول الاقتراب منها أو تتهجم عليه وتبول في ثيابها فاقدة أي قدرة على الكلام المفهوم إلا صراخاً يصمّ آذاننا جميعاً. باءت كل محاولاتنا بإعادتها لحالتها الطبيعية بالفشل، حتى أنه وفي بعض الأوقات اضطرت الفتيات لربطها منعاً من تعرضها للآخرين بالأذى بعد أن قامت بعضّ فتاة أخرى متسببة بجرحٍ عميقٍ في يدها

كانت الأيام الأولى لحالتها تلك صاخبة جداً ولم تكن تهداً دون صراخ، ومن ثم صمتت صفاء، تحولت مرة أخرى لكائنٍ يتنفس فقط، دون كلام أو صراخ أو تعبيرعن أي شيء، حتى دون حركة أو ابتسام، تنظر دون جدوى، وتتنفس

فقدت صفاء حينها أي قدرة على التفاعل مع أي شيء لا غضباً ولا حزنا ولا خوفاً ولا فرحاً. ومنذ ذلك الحين بقيت كذلك حتى خروجي من السجن بداية العام 2015. عدة محاولات يائسة قامت بها المعتقلات للإفراج عن صفاء بعد أن فقدت عقلها أو تحويلها لمشفى الأمراض العقلية، لكن دون أي نتيجة تذكر. بقيت صفاء بالسجن حتى منتصف العام 2016 ما جعل مدة سجنها تتجاوز الأربعة أعوام

في ذلك الوقت تم نقل صفاء إلى مشفى ابن سينا للأمراض العقلية، وبامتداد المسافة الزمنية الفاصلة بين جنونها ونقلها للمستشفى يتبادر للذهن أن الموضوع انتهى وأن لا فائدة من إبقاء فتاة بمثل هذه الحالة في السجن، بيد أن ما يتبادر للذهن هو دائماً أبعد ما يكون عن واقعية سجون الأسد

بداية العام 2017 تمّ سحب صفاء من مشفى الأمراض العقلية باتجاه سجن صيدنايا العسكري لتنفيذ حكم محكمة الميداني العسكري بها، ومنذ ذلك الحين انقطعت كل أخبارها مع عدم القدرة على تأكيد ما إن كانت لاتزال على قيد الحياة أم لا

في إحدى لقاءاته التلفزيونية متحدثاً عن روايته “القوقعة” قال الكاتب مصطفى خليفة: أولئك الذين اختاروا الجنون أو الإنتحار في سجن تدمر كانوا أكثرنا جمالاً وحساسية، لم يستطيعوا بجمال روحهم احتمال كل هذا الظلم أو التصالح مع هذا الواقع الخاطئ  كلياً، ما أحدث إنكساراً حقيقياً بينهم وبين الحياة، انتهى ذاك الإنكسار إما بالجنون أو الانتحار

Advertisements
 
Leave a comment

Posted by on April 29, 2017 in Syria

 
 
%d bloggers like this: